وسط فوضى التخصصات وعبث المجال النفسي… تروح لمين؟

كقاعدة عامة…

مش كل واحد بيتكلم في علم النفس يبقى معالجًا نفسيًا.
ومش كل واحد بيسمع كويس يبقى لايف كوتش.
ومش كل واحد عنده مليون متابع يبقى متخصصًا.

لأن الشهرة حاجة…
والعلم حاجة…
والترخيص حاجة…
والقدرة على مساعدة الناس من غير ما نؤذيهم حاجة رابعة خالص.

ومع انتشار الحديث عن العلاقات والصدمات والتعافي وتقدير الذات، اختلطت المسميات على الناس:
طبيب نفسي…
معالج نفسي…
لايف كوتش…
مدرب…
استشاري…
إنفلونسر…
والكل بيتكلم بثقة.

لكن الثقة في الكلام مش دليلًا على صحته، وعدد المتابعين مش شهادة علمية، والدبلومة وحدها لا تمنح صاحبها صلاحيات بلا حدود.

فإيه الفرق بين كل دول؟ ونروح لمين؟

أولًا: الطبيب النفسي مش مجرد شخص بيكتب دوا

الطبيب النفسي خريج كلية طب، وبعدها تخصص في الطب النفسي.

وده يؤهله إنه يقيّم الحالة من الناحية الطبية والنفسية، ويشخّص الاضطرابات، ويستبعد وجود أسباب عضوية أو دوائية للأعراض، ويصف العلاج الدوائي إذا كانت الحالة تحتاج إليه.

لكن من أكبر الأخطاء إننا نختصر دوره في الروشتة.

الطبيب النفسي مش صيدلية ماشية على قدمين.

دوره يشمل التقييم، والتشخيص، ووضع الخطة العلاجية، ومتابعة تطور الحالة، وتقدير مدى احتياجها للدواء أو العلاج النفسي أو الاثنين معًا.

وبعض الأطباء النفسيين بيتدربوا أيضًا على مدارس العلاج النفسي ويقدموا جلسات، بينما يتخصص آخرون بدرجة أكبر في التشخيص والعلاج الدوائي، ويعملوا بالتعاون مع معالجين نفسيين.

فمش كل طبيب نفسي بيقدم جلسات علاج نفسي…
لكن كل طبيب نفسي مؤهل طبيًا للتقييم والتشخيص ووصف الدواء.

ثانيًا: المعالج النفسي مش واحد حضر دبلومة وفتح عيادة

المعالج النفسي مش شخص قرأ كام كتاب، ولا حضر دورة، ولا مر بتجربة صعبة وقرر بعدها يعالج الناس.

العلاج النفسي مهنة لها دراسة أكاديمية، وتدريب عملي، وإشراف مهني، وترخيص لمزاولتها.

والمعالج النفسي يستخدم مدارس وتدخلات علاجية متخصصة للعمل على الأفكار والمشاعر والسلوكيات والصعوبات النفسية.

وفي مصر، ينظم القانون رقم 210 لسنة 2020 ممارسة العلاج النفسي لغير الأطباء، ويشترط الحصول على ترخيص من وزارة الصحة، إلى جانب المؤهل الإكلينيكي والتدريب والاختبار والإشراف الطبي الذي يحدده القانون.

والمعالج النفسي لا يكتب دواءً.
ولا يجري كشفًا طبيًا.
ولا يقدم نفسه باعتباره طبيبًا.

وعندما تظهر أعراض تحتاج إلى تقييم طبي أو تدخل دوائي، فمن مسؤوليته المهنية أن يحيل الشخص إلى طبيب نفسي.

لأن المتخصص الحقيقي مش هو اللي يتمسك بكل حالة…
المتخصص الحقيقي هو اللي يعرف حدود علمه، ويعرف إمتى يكمل، وإمتى يتوقف، وإمتى يحيلك إلى شخص أنسب.

أروح للطبيب النفسي ولا المعالج؟

مفيش إجابة واحدة تناسب الجميع.

في حالات ممكن تبدأ مع معالج نفسي مرخص، وإذا ظهرت حاجة إلى تقييم طبي أو دواء تتم الإحالة إلى طبيب نفسي.

وفي حالات أخرى، يكون الأفضل أن تبدأ من البداية مع طبيب نفسي، خصوصًا مع وجود:

  • أفكار انتحارية أو إيذاء للنفس.
  • هلاوس أو ضلالات.
  • نوبات هوس أو تغيرات شديدة في السلوك.
  • اضطراب شديد في النوم أو الأكل.
  • تدهور واضح في القدرة على العمل أو الدراسة أو ممارسة الحياة.
  • أعراض جسدية مصاحبة أو احتمال وجود سبب عضوي.
  • معاناة نفسية شديدة أو متفاقمة.

والطبيب نفسه ممكن يحيلك إلى معالج آخر إذا كانت حالتك تحتاج إلى مدرسة علاجية لا يعمل بها.

لأنه لا يوجد شخص قادر على علاج كل الاضطرابات والتعامل مع كل الحالات.

ومن يقول لك: «أنا بعالج كل حاجة»…
غالبًا لا يعرف حجم كل حاجة.

ثالثًا: ما هو الكوتشينج؟

الكوتشينج واحد من مهن المساعدة، لكنه ليس علاجًا نفسيًا، وليس تدريبًا، وليس استشارة، وليس مجموعة نصائح تحفيزية.

الكوتشينج شراكة حوارية منظمة تساعد العميل على زيادة وعيه، وتحديد أهدافه، واكتشاف اختياراته وموارده، وتحويل ما يريده إلى قرارات وخطوات قابلة للتنفيذ.

يعني الشخص قد يكون قادرًا على ممارسة حياته وتحمل مسؤولياته، لكنه:

  • محتار في قرار.
  • عنده هدف ولا يعرف كيف يبدأ.
  • يبدأ أشياء كثيرة ولا يستمر.
  • يريد تحسين أدائه في العمل.
  • يحتاج إلى ترتيب أولوياته.
  • يريد فهم دوافعه واختياراته.
  • يريد تحسين تواصله أو بعض جوانب علاقاته.
  • أو يحتاج إلى متابعة تساعده على الالتزام.

هنا ممكن يأتي دور الكوتش.

الكوتش لا يفترض أنه أذكى من العميل.
ولا أنه يعرف مصلحته أكثر منه.
ولا أنه يمتلك وصفة سحرية للحياة.

هو يساعد العميل على التفكير، لكنه لا يفكر بدلًا منه.
يساعده على الاختيار، لكنه لا يختار بدلًا منه.
ويساعده على بناء الطريق، لكنه لا يمشي الطريق مكانه.

لذلك يعتمد الكوتشينج على:

  • الاستماع العميق.
  • الأسئلة التي توسع الوعي.
  • الملاحظة.
  • التغذية الراجعة.
  • اكتشاف القيم والدوافع.
  • تحديد العقبات والموارد.
  • تحويل الوعي إلى خطوات.
  • المتابعة والمساءلة.

الكوتش هنا أشبه بالمرآة.

والمرآة لا تضع لك وجهًا جديدًا…
لكنها تساعدك على رؤية ما لم تكن تراه.

قد تكشف تناقضًا بين ما تقوله وما تفعله.
أو هدفًا تسعى إليه فقط لإرضاء الآخرين.
أو موردًا تملكه ولا تستخدمه.
أو نمطًا يتكرر ويعطلك.

هل الكوتش لا يقدم رأيًا أو معلومة أبدًا؟

الأصل في الكوتشينج إن الكوتش لا يفرض رأيه، ولا يحوّل الجلسة إلى محاضرة، ولا يقدم تجربته الشخصية باعتبارها الطريق الصحيح للجميع.

لكن ده لا يعني إنه يتظاهر بأنه لا يعرف أي شيء.

يمكن للكوتش، بعد الاستئذان، أن يشارك ملاحظة أو تصورًا أو إطارًا يساعد العميل على التفكير، بشرط ألا يقدمه باعتباره الحقيقة الوحيدة.

وممكن يكون الشخص كوتشًا ومدربًا أو استشاريًا في الوقت نفسه.

لكن عليه أن يوضح:
هل أنا الآن بسألك ككوتش؟
ولا بعلمك كمدرب؟
ولا بقدم لك رأيًا مبنيًا على خبرتي كمستشار؟

لأن تعدد الأدوار مش مشكلة…
المشكلة في خلطها من غير ما يعرف العميل.

ما الفرق بين الكوتشينج والتدريب؟

التدريب هدفه الأساسي نقل معرفة أو تنمية مهارة.

المدرب يعرف معلومة أو يتقن مهارة، ويستخدم الشرح والتطبيق والتمارين لمساعدة المتدرب على تعلمها.

أما الكوتش فلا يقدم نفسه باعتباره صاحب الإجابة، وإنما يساعد العميل على اكتشاف إجاباته وبناء خطته.

المدرب قد يقول لك:
«دي الطريقة التي تؤدي بها المهارة».

أما الكوتش فيسألك:
«إيه الهدف اللي عاوز توصله؟ وإيه اختياراتك؟ وإيه الخطوة اللي هتلتزم بيها؟»

ما الفرق بين الكوتش والاستشاري؟

الاستشاري تعتمد قيمته أساسًا على خبرته في مجال معين.

أنت تلجأ إلى مستشار قانوني أو مالي أو إداري لأنه يمتلك معرفة وخبرة تساعده على تحليل الموقف واقتراح الحلول.

أما الكوتش فلا يشترط أن يكون خبيرًا في مجال عمل العميل؛ لأنه لا يقدم الحل بدلًا منه، وإنما يساعده على الوصول إلى الحل المناسب له.

الاستشاري يقول غالبًا:
«بناءً على خبرتي، أقترح أن تفعل كذا».

والكوتش يسأل:
«بناءً على معرفتك بنفسك وظروفك، إيه الاختيار الأنسب لك؟»

ما الفرق بين الكوتش والمنتور؟

المنتور شخص لديه غالبًا خبرة سابقة في الطريق الذي يريد الطرف الآخر أن يسلكه.

لذلك يستطيع أن يقول:
أنا مررت بهذه المرحلة.
ودي الأخطاء اللي وقعت فيها.
وده الطريق اللي أنصحك به.

أما الكوتش فلا يشترط أن يكون قد مر بالتجربة نفسها، ولا يفترض أن الطريق الذي نجح معه لازم ينجح مع العميل.

المنتور ينقل خبرته…
والكوتش يساعدك على اكتشاف طريقك.

ما الفرق بين الكوتشينج والعلاج النفسي؟

هنا لازم نكون واضحين جدًا:

الكوتش لا يشخّص اضطرابًا نفسيًا.
ولا يعالج اكتئابًا أو وسواسًا أو صدمة أو اضطرابًا في الشخصية.
ولا يصف دواءً.
ولا يقدم نفسه بديلًا للطبيب أو المعالج النفسي.

لكن الفرق بين العلاج والكوتشينج مش إن العلاج يتكلم عن الماضي، والكوتشينج يتكلم عن المستقبل.

المعالج قد يعمل على الحاضر والمستقبل وتحسين جودة الحياة.
والكوتش قد يناقش تجربة سابقة أو مشاعر حالية لفهم علاقتها بالهدف.

الفارق الحقيقي هو الغرض من العلاقة، ونطاق العمل، وتأهيل الممارس.

العلاج النفسي يتعامل مع المعاناة والاضطرابات والمشكلات النفسية من خلال تدخلات علاجية متخصصة.

أما الكوتشينج فيعمل على الوعي والاختيارات والأهداف والأداء وجودة الحياة، من غير تشخيص أو علاج نفسي.

ولو ظهرت أثناء الكوتشينج علامات تشير إلى احتياج العميل إلى علاج نفسي، فإحالته إلى متخصص مش فشلًا من الكوتش.
دي أمانة.

لأن أخطر كوتش مش هو قليل الخبرة فقط…
أخطر كوتش هو اللي ميعرفش إنه قليل الخبرة.

هل الشخص الذي يتلقى علاجًا نفسيًا لا ينفع معه الكوتشينج؟

مش بالضرورة.

ممكن الشخص يتلقى علاجًا نفسيًا، وفي الوقت نفسه يعمل مع كوتش على هدف مهني أو تنفيذي محدد، بشرط أن تكون حالته تسمح بذلك، وأن تكون حدود كل علاقة واضحة.

المعالج يعمل على الجزء العلاجي.
والكوتش يعمل على الهدف المتفق عليه.

لكن الكوتشينج لا يحل محل العلاج، والعلاج لا يتحول إلى كوتشينج لمجرد تغيير الاسم.

وماذا عن الميتا-كوتشينج؟

الميتا-كوتشينج مدرسة من مدارس الكوتشينج، تستفيد من النيوروسيمانتكس، وتهتم بما وراء الكلمات التي يقولها العميل:
القيم…
والمعاني…
والقناعات…
وطريقة تفسيره لنفسه وللعالم.

فقد يقول العميل إنه يريد النجاح.
لكن ما معنى النجاح بالنسبة إليه؟
ولماذا يريده؟
وماذا سيقول نجاحه عن نفسه؟
وما القيمة التي يريد تحقيقها من خلاله؟
وما الاعتقاد الذي يمنعه من التحرك؟

الميتا-كوتش لا يقف عند الهدف الظاهر فقط، وإنما يساعد العميل على استكشاف المعاني والقناعات والحالات الذهنية والشعورية المرتبطة به.

لكنه يظل كوتشينج.
ليس تشخيصًا.
وليس علاجًا نفسيًا.
ولا يمنح ممارسه صلاحيات الطبيب أو المعالج.

رابعًا: الإنفلونسر

الإنفلونسر شخص عنده جمهور وتأثير على السوشيال ميديا.

ممكن يشارك تجربة انفصال.
أو رحلة تعافٍ.
أو تجربة فقد.
أو قصة نجاح في إنقاص الوزن.
أو تغييرًا شخصيًا أو مهنيًا.

وتجربته قد تكون صادقة وملهمة ومفيدة جدًا…
لكنها تظل تجربة شخصية، وليست مؤهلًا علميًا أو ترخيصًا مهنيًا.

مرور شخص بتجربة اكتئاب لا يجعله معالجًا للاكتئاب.
وخروجه من علاقة مؤذية لا يجعله خبيرًا قادرًا على علاج كل العلاقات.
ونجاحه في إنقاص وزنه لا يجعله طبيبًا أو أخصائي تغذية.

وفي الوقت نفسه، كلمة «إنفلونسر» لا تنفي التخصص.

ممكن يكون الشخص طبيبًا نفسيًا وإنفلونسر.
أو معالجًا نفسيًا وإنفلونسر.
أو كوتشًا محترفًا وإنفلونسر.

الحكم مش بعدد المتابعين…
الحكم بمؤهلاته، وتدريبه، وترخيصه، وحدود الخدمة التي يقدمها.

الشهرة ليست دليلًا على العلم…
لكنها أيضًا لا تنفيه.

قبل ما تختار الشخص… اسأله

من حقك أن تسأل:

  • ما مؤهلك الأساسي؟
  • ما التدريبات التي حصلت عليها؟
  • هل تمتلك ترخيصًا إذا كنت تقدم علاجًا نفسيًا؟
  • ما المدرسة أو المنهج الذي تعمل به؟
  • ما نوع الحالات التي تتعامل معها؟
  • ما الحالات التي لا تتعامل معها؟
  • متى تحيل العميل إلى متخصص آخر؟
  • هل ما تقدمه علاج أم كوتشينج أم تدريب أم استشارة؟
  • هل تخضع لإشراف مهني؟

المتخصص الحقيقي مش هينزعج من أسئلتك.

لأن الشخص اللي فاهم هو بيعمل إيه…
غالبًا فاهم كمان هو لا يحق له يعمل إيه.

المشكلة مش في المسميات

المشكلة مش في إن الشخص يكون طبيبًا أو معالجًا أو كوتشًا أو مدربًا أو إنفلونسر.

المشكلة في شخص لابس مسمى أكبر من علمه.

طبيب نسي إن الإنسان مش مجرد أعراض.
ومعالج تجاوز حدود ترخيصه.
وكوتش صدّق إنه بيعالج الصدمات والاضطرابات.
وإنفلونسر صدّق إن عدد المتابعين شهادة علمية.

لأن الجهل لما يكون صوته واطي، ضرره محدود.
لكن لما يتزيّن بالمصطلحات…
ويتصور بإضاءة حلوة…
ويتقال بثقة…
ممكن يتحول إلى أذى حقيقي.

العلم مش لقبًا بيتكتب قبل الاسم.
والعلاج مش شوية نصائح.
والكوتشينج مش كلامًا تحفيزيًا.
والشهرة مش دليلًا على الكفاءة.

اعرف أنت محتاج إيه…
واعرف الشخص اللي قدامك مؤهل لإيه…
والأهم: اعرف هو بيتوقف فين.

لأن المتخصص الحقيقي مش هو اللي يدّعي إنه يعرف كل شيء.
المتخصص الحقيقي هو اللي يعرف حدود علمه، ويحيلك إلى من هو أنسب عندما تنتهي قدرته.

أما من ظن أن معلومتين، وشوية شعارات، وكام مصطلح إنجليزي جعلوه أهلًا للعبث بعقول الناس ونفوسهم…
فده لا يساعد الناس.
ده بيزوّق الجهل…
ويبيعه.

#عمريات #عمرو_عز

Leave A Comment

EN